


تقدم تجربة إبراهيم الحبيب نموذجًا لرجل أعمال انتقل من هندسة الحاسوب والعمل التقني إلى الاستثمار في الزراعة والآليات والإنتاج الحيواني، ثم وسّع حضور «شتات» ليشمل التصنيع الزراعي والخدمات وحصاد المياه، بالتوازي مع مبادرات في التعليم وتكريم الإعلاميين والفنانين والمبدعين.
اكتشف مع مرور السنوات أن التكنولوجيا لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى حل يخدم الإنسان ، وانتقل من شاشة الحاسوب إلى الأرض ، أراد أن يكون الجرار بداية، لا نهاية ، بداية لحرث الأرض، وزراعة المحصول، وزيادة الإنتاج، ثم التصنيع والتسويق وإضافة القيمة المضافة للمنتج
وتُظهر تصريحاته أن الرهان الأساسي هو بناء منظومة إنتاجية حول الزراعة، بينما تظل الخطط المستقبلية مرتبطة بقدرة المشروع على تنفيذها في بيئة اقتصادية وتشغيلية شديدة التعقيد.
من هو إبراهيم الحبيب؟
المهندس إبراهيم محمد أحمد الحبيب مهندس حاسوب وخريج كلية علوم التقانة، بدأ حياته العملية في السودان عام 2003، وعمل في السوق العربي حتى عام 2013.
نشأ في أسرة ارتبطت بالتجارة، في منطقة ذات طبيعة زراعية ورعوية، الأمر الذي جعل الزراعة والتجارة جزءًا مؤثرا في تجربته الشخصية.
ومع التحولات الاقتصادية التي شهدها السودان بعد انفصال جنوب السودان، اتجه إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل في مجالات متعددة واستقر لاحقًا في قطاع الإنترنت وتكنولوجيا الأعمال.
ويقول الحبيب إن سنوات عمله في المملكة أسهمت في تكوين رأس المال الذي يستخدمه في استثماراته بالسودان.
التفكير خارج الصندوق
وعندما تغيرت خريطة الاستثمار السوداني في ظل الحرب ، اختار المهندس إبراهيم محمد أحمد الحبيب أن يسلك طريقًا معاكسًا ، وحينما دفعت الحرب برؤوس أموال إلى خارج السودان، اتجه الحبيب إلى ضخ جزء من رأس المال الذي كوّنه خلال سنوات عمله في المملكة العربية السعودية في مشروعات داخل السودان، واضعًا الزراعة والإنتاج الحيواني والميكنة الزراعية في قلب رؤيته الاستثمارية.
قرار الحبيب الاستثمار في السودان خلال الحرب يمثل أحد أكثر جوانب تجربته إثارة للاهتمام.
فهو يقول إنه دخل الاستثمار في وقت كانت فيه رؤوس الأموال تغادر البلاد، واضعًا هدفًا يتمثل في دعم الاقتصاد والمساهمة في النهوض بالقطاع الزراعي.
وبالنسبة إليه، فإن الزراعة والثروة الحيوانية من القطاعات التي يمكن أن تشكل قاعدة لإعادة تحريك الاقتصاد السوداني.
هذه الرؤية تضع مشروعه في سياق أوسع من النشاط التجاري؛ فهي تربط الاستثمار بما يعتبره الحبيب احتياجات السودان الإنتاجية خلال المرحلة الحالية.
لماذا اختار الزراعة؟
بالنسبة للحبيب، لم تكن الزراعة اختيارًا عابرًا، والسودان من وجهة نظره، يمتلك موارد زراعية وحيوانية كبيرة، بينما تكمن إحدى مشكلاته في ضعف استغلال هذه الموارد بصورة حديثة ومتكاملة ، ولهذا اتجه إلى الزراعة من بوابة مختلفة وهي (الميكنة) والجرار في رؤيته ليس مجرد منتج تجاري، وإنما أداة لتحريك العملية الإنتاجية.
ويرى الحبيب أن تطوير الزراعة يحتاج إلى الجمع بين الأرض والآلة والتقنية والإدارة والتمويل والتصنيع والتسويق، بدل التعامل مع كل عنصر بمعزل عن الآخر.
مشروع (شتات تراكتور)
وعن قصة الاسم يقول الحبيب إن «شتات» يرتبط في الاستخدام الزراعي السوداني ببداية جمع العيش والذرة، كما ارتبط الاسم في نظره بمرحلة تشتت السودانيين بسبب الظروف التي مرت بها البلاد ، كما أشار إلى استخدام كلمة «شتات» في لغة الميكانيكية للدلالة على السرعة والجري ، لكن المعنى الذي يقول إنه الأقرب إليه هو المفارقة بين التشتت والالتئام.
فإذا كان السودانيون قد تشتتوا، فإن «شتات» بالنسبة إليه يمكن أن تصبح فكرة للالتقاء من جديد.
(شتات تراكتور).. البداية من الجرار
لكن المشروع، بحسب ما أعلنه الحبيب، لا يستهدف البقاء في دائرة الاستيراد والبيع فقط ، فقد دخلت الشركة في تطوير وتصنيع معدات زراعية، من بينها «ديسك هرو» والزرّاعات الهوائية، مع توجه لبناء منظومة تخدم المزارع بصورة أكبر.
والفكرة الأساسية هي دعم الانتقال من الزراعة المطرية الآلية التقليدية إلى زراعة تستخدم التقنيات الحديثة لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة.
من بيع الآلة إلى خدمة المزارع
أحد أبرز محاور الخطة المستقبلية لـ(شتات) هوالتوسع في الولايات الزراعية ، اعلنت الشركة خططًا لإنشاء معارض وورش لخدمات ما بعد البيع وتوفير قطع الغيار في عدد من المناطق الزراعية (القضارف، سنار، إقليم النيل الأزرق والأبيض) ، منحت وزارة الاستثمار بولاية القضارف الشركة قطعة أرض لإنشاء معرض وورشة.
وهذا التوجه يعكس محاولة لبناء علاقة مستمرة مع المزارع، لا تنتهي عند لحظة شراء الجرار الآلة تحتاج إلى صيانة، والصيانة تحتاج إلى ورشة ، والورشة تحتاج إلى قطع غيار وفنيين ، وبذلك تتحول عملية بيع الآلة إلى منظومة خدمات مرتبطة بالإنتاج الزراعي.
مشروعات إبراهيم الحبيب الزراعية
لا يقتصر نشاط الحبيب على تجارة الآليات ، لديه مشروعات زراعية في شرق المزموم وغرب ود النيل، إلى جانب استثمارات في عدد من الولايات الزراعية، من بينها القضارف ، وتشمل اهتماماته الإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني وحصاد المياه ، ويكشف ذلك عن اتجاه نحو بناء علاقة مباشرة بين الآلة والأرض والإنتاج، بدل الاقتصار على النشاط التجاري في المعدات.
مشاريع حصاد المياه
ضمن مشروعاته الزراعية، تحدث الحبيب عن إنشاء حفائر لحصاد المياه تصل سعتها إلى نحو 3 آلاف متر مكعب، بهدف الاستفادة من المياه خلال فترات الجفاف وخدمة الحيوانات والرعاة وأبناء المناطق المحيطة.
ويأتي ذلك ضمن رؤيته لربط الاستثمار الزراعي بالإنتاج الحيواني وإدارة الموارد الطبيعية.
من الزراعة إلى التصنيع
إحدى الأفكار الرئيسية في خطاب الحبيب الاقتصادي هي ضرورة الانتقال من تصدير المنتجات السودانية في صورتها الخام إلى التصنيع وإضافة القيمة المضافة ، الاقتصاد الزراعي، في هذه الرؤية، لا يتوقف عند إنتاج المحصول ، بل يبدأ منه والمحصول يمكن أن يتحول إلى صناعة والصناعة يمكن أن تخلق وظائف والوظائف ترفع الدخول والمنتج المصنّع يمكن أن يفتح أسواقًا جديدة وهكذا تصبح الزراعة مدخلًا لسلسلة اقتصادية أوسع.
الخطة المستقبلية لـ«شتات»
تتجه «شتات» خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع نشاطها في عدة مسارات:
- التوسع الجغرافي
إنشاء معارض ومراكز خدمة وورش في الولايات والمناطق الزراعية.
- خدمات ما بعد البيع
توفير الصيانة وقطع الغيار والدعم الفني للمزارعين.
- تصنيع المعدات
التوسع في تصنيع معدات مرتبطة بالآليات الزراعية.
- الزراعة التقنية
المساهمة في الانتقال إلى أساليب أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا الحديثة.
- الإنتاج الحيواني
التوسع في مجالات مرتبطة بالإنتاج الحيواني.
- حصاد المياه
الدخول بصورة أكبر في مشروعات حصاد المياه وخدمة النشاط الزراعي والرعوي.
- المبيدات والمدخلات الزراعية
أعلنت الشركة عن توجه مستقبلي للتوسع في مجال المبيدات، ضمن منظومة النشاط الزراعي.
هذه الخطط، بطبيعة الحال، تمثل توجهات معلنة، ويظل تنفيذها مرتبطًا بظروف الاستثمار والتمويل والبنية التحتية والبيئة التشغيلية في السودان.
حضور واسع في المشهد المجتمعي
ارتبط اسم «شتات» خلال الفترة الأخيرة بعدد من الفعاليات والمساهمات الاجتماعية والفنية في الرياض، بما يعكس توسع حضور المؤسسة في المشهد السوداني بالمملكة.
هذا الحضور شمل دعم ومساندة مبادرات ذات طابع اجتماعي وثقافي وفني، ضمن علاقة أوسع بين القطاع الخاص والمجتمع.
وبذلك لا تبدو مبادرات «شتات» محصورة في قطاع واحد، وإنما تمتد من التعليم والزراعة إلى الإعلام والفن وتكريم أصحاب العطاء.
مدرسة شتات المتوسطة بنات
واحدة من أبرز المبادرات التي ارتبطت باسم «شتات» هي مدرسة شتات المتوسطة للبنات ، وبحسب الحبيب، جاء المشروع بتمويل كامل من «شتات تراكتور»، بهدف توفير التعليم للفتيات داخل القرية وعدم اضطرارهن إلى الانتقال للمناطق المجاورة من أجل الدراسة.
وهنا تظهر إحدى الأفكار التي يكررها الحبيب (الاستثمار ليس مالًا وأرباحًا فقط، بل يجب أن يترك أثرًا في المجتمع) .
(شتات) ..الوفاء لأصحاب العطاء
امتدت المبادرات التي ارتبطت باسم الحبيب و«شتات» إلى المجال الثقافي والإعلامي والفني.
ففي سبتمبر 2026، قدم إبراهيم الحبيب «درع شتات» للدرامي السوداني مكي سنادة خلال حفل تكريمه في الرياض، بحضور شخصيات سودانية وإعلامية ومجتمعية ومسؤلين في سفارة السودان بالرياض.
وجاء التكريم تقديرًا لمسيرة سنادة وإسهاماته في الدراما السودانية، ضمن توجه معلن من «شتات» للمشاركة في المبادرات التي تحتفي بالشخصيات السودانية المؤثرة.
تكريم الصحافة.. مبارك البلال
وفي سبتمبر أيضًا، كرمت «شتات تراكتور» الصحفي والإعلامي مبارك البلال الطيب في القاهرة، تقديرًا لمسيرته الصحفية وإسهاماته في الصحافة الاجتماعية والفنية السودانية.
ونقلت التغطية عن الحبيب أن نشاط الشركة لا يتوقف عند المعدات والآليات الزراعية، وإنما يمتد إلى دعم الكلمة والقلم وتكريم أصحاب التجارب المؤثرة في المجتمع.
وهذا يعكس جانبًا آخر من فلسفة المبادرات التي يشارك فيها الحبيب (تكريم من صنعوا أثرًا قبل أن يغيبوا عن المشهد).
رسالة مفتوحة من المهندس إبراهيم الحبيب
إلى أبناء السودان.. من الأرض تبدأ الحكاية
إلى أهلي في السودان، وإلى كل سوداني يؤمن بأن لهذا الوطن مستقبلًا يستحق أن نقاتل من أجله بالعمل والإنتاج والبناء:
لم أختر الزراعة لأنها الطريق الأسهل، ولم أبدأ «شتات» لأن سوق الجرارات كان مجرد فرصة تجارية.
اخترت الزراعة لأنني أؤمن بأن السودان يمتلك ما يكفي ليكون بلدًا منتجًا إذا استطعنا أن نحسن إدارة موارده ونربط الأرض بالآلة والتقنية ورأس المال.
أنا مهندس حاسوب، لكنني اكتشفت مع مرور السنوات أن التكنولوجيا لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى حل يخدم الإنسان ، ومن هنا انتقلت من شاشة الحاسوب إلى الأرض.
أردت أن يكون الجرار بداية، لا نهاية ، بداية لحرث الأرض، وزراعة المحصول، وزيادة الإنتاج، ثم التصنيع والتسويق وإضافة القيمة.
وأؤمن أن السودان لا يحتاج فقط إلى من يبيع له الآلات، بل يحتاج إلى من يساعد المزارع على استخدامها، ويوفر له الصيانة وقطع الغيار والخدمة، ويقف معه حتى يصل المنتج إلى السوق.
ولهذا جاءت رؤيتي في «شتات» لتتجاوز التراكتور إلى منظومة أوسع تشمل الميكنة الزراعية، والتصنيع، والإنتاج الحيواني، وحصاد المياه، والخدمات الزراعية.
المستثمر السوداني:
لا تجعل صعوبة الظروف سببًا للتوقف عن التفكير ، الاستثمار الحقيقي لا يبدأ عندما تختفي كل المخاطر، وإنما يبدأ عندما نعرف كيف ندير المخاطر ونصنع الفرص.
المزارع السوداني:
أنت أساس الاقتصاد ،والأرض التي تزرعها ليست مجرد مساحة؛ إنها جزء من مستقبل السودان.
الشباب السوداني :
تعلموا، وخاطروا بحساب، وابدأوا بما تستطيعون، ولا تنتظروا أن يأتي المستقبل إليكم ، اصنعوه أنتم.
«شتات» أكثر من علامة
أردتها مشروعًا يؤمن بأن الآلة تحرك الأرض، وأن الأرض تصنع الإنتاج، وأن الإنتاج يبني الاقتصاد، وأن الاقتصاد القوي يبدأ بإنسان قوي ومتعلم.
ولهذا سنواصل العمل في الأرض و الزراعة و الاستثمار ، وفي خدمة المجتمع وفي تكريم أهل العطاء ، لأنني أؤمن أن الاستثمار الذي لا يترك أثرًا في الإنسان والمكان يظل ناقصًا مهما بلغت أرقامه.
(شتات) بالنسبة لي ليست نهاية الرحلة ، إنها بداية للعودة إلى الأرض وبداية لبناء اقتصاد يقوم على الإنتاج ، وبداية لحلم أكبر: أن نرى السودان بلدًا يأكل مما يزرع، ويصنع مما ينتج، ويصدر للعالم ما يضيف إليه.
