
كتب : عباس العشاري
الخروج من المدينة المنورة بعد أيام العيد ليس كأي رحيل. فبعد أن عشت تلك الروحانيات، وصليت في الروضة الشريفة، وسمعت تكبيرات العيد تملأ الأفق، وأنسك الطرب الحجازي في حواريها.. تشعر أن جزءًا من روحك سيبقى هناك.
وأنت تودع مآذن المسجد النبوي، تحس أن القدم ثقيلة والقلب أثقل. كل خطوة تبتعد بها عن القبة الخضراء كأنها تنتزع شيئًا من سكينتك. تتذكر سلامك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودمعتك في الروضة، وضحكة طفل مدّ لك حلوى العيد في ساحات الحرم. فتدرك أنك لا تودع مكانًا، بل تودع حالة من الطمأنينة لا توجد إلا هنا.. هي مدينة لا تُنسى، لأنها ليست حجرًا وترابًا، بل سكينة تسري في الروح.ويصبح الحنين إلى طيبة دعاءً لا يفارق اللسان بعد كل صلاة. اكيد وداع المدينة صعب.. لأنك تودع قطعة من الجنة، وتترك خلفك سلامًا لا تجده في أي مدينة أخرى
للعيد في المدينة المنورة نكهة لا تشبه سواها. هنا تلتقي قداسة المكان بفرحة الزمان، فيمتزج وقار المسجد النبوي ببهجة الأحياء العتيقة.
مع فجر العيد، يصدح التكبير من مآذن الحرم الشريف، ويتوافد الناس بثيابهم البيضاء نحو الروضة الشريفة.
صلاة العيد في جوار المصطفى صلى الله عليه وسلم لها هيبة تملأ القلب خشوعًا، وبعد التسليم تتحول الساحات إلى عناق وتهاني ودعوات بالقبول.وفي ختام يوم عرفات وليلة العيد في طيبة لا تقف عند المسجد النبوي. ف. هناك تسمع صدى ليالي الحجاز ، ورقصات شعبية يشارك فيها الكبار قبل الصغار.
والأناشيد المدنية الخاصة تتغنى بحب طيبة وساكنها عليه الصلاة والسلام. تسمعهم يرددون:يا طيبة يا طيبة في المدبنة
البيوت تتزين، والمجالس تفتح أبوابها، وتُمد صواني الحلوة والمعمول الحجازي والقهوة بالهيل. الجيران يتعايدون، والأطفال بثيابهم الجديدة يركضون بين جلسات الطرب، يصفقون ويرددون مع الكبار.
حتى الجاليات المقيمة، ومنها السودانية، تشارك المدينة فرحتها. تجدهم في الحدائق والمتنزهات، بعضهم ينصب السماعات على أنغام الطرب الحجازي، وبعضهم يصنع حلقته الخاصة بالأغاني السودانية، فتتلاقى الثقافات على أرض طيبة في مشهد محبة وألفة.
العيد في المدينة لوحتان لوحة روحانية في رحاب المسجد النبوي، ولوحة فرح أصيل في حواريها. كلتاهما تقولان: هنا طيبة، هنا العيد له معنى

